أخبار

ممارسات يوصى بها في اختيار الأعضاء المستقلين في مجالس الإدارة

04-نيسان-2023

بقلم: علاء عبدالعزيز أبونبعه* 
CPA, CIA, CRMA, CICP, MACC
رئيس التدقيق والتميز المؤسسي في مجموعة شركات إيفا للاستشارات المالية الدولية – دولة الكويت
ومستشار حوكمة مؤسسة للعديد من المؤسسات في دول الخليج العربي والأردن.

مرت أنظمة حوكمة المؤسسات بعدة مراحل منذ نشأتها بداية‎ ‎التسعينيات‎ ‎من القرن‎ ‎الماضي بعد ‏صدور تقرير اللجنة التي شكلها مجلس العموم البريطاني برئاسة "أدريان كادبوري" (الأب الروحي ‏للحوكمة) عام 1992، والذي وضع أول تعريف للحوكمة (النظام الذي يتحقق من خلاله ‏توجيه ورقابة المؤسسات). ومنذ صدور تقرير كادبوري وحتى اليوم يلاحظ ازدياد نسبة الأعضاء المستقلين في مجالس الإدارة وازدياد ‏الدور المتوقع منهم من قبل أصحاب المصالح. وقد بدأت الجهات التنظيمية بوضع ضوابط يجب ‏توافرها‎ ‎في‎ ‎العضو‎ ‎المستقل، وقامت بإعداد لوائح خاصة تحدد مهام ومسؤوليات الأعضاء المستقلين في مجالس الإدارة واللجان الرقابية المنبثقة من تلك المجالس وحددت نسب مختلفة لعددهم إلى مجمل عدد أعضاء ‏تلك المجالس أو اللجان في المؤسسات العامة والهادفة للربح وغير الهادفة للربح بغرض المحافظة على المستوى المطلوب من ‏الاستقلالية في اتخاذ القرارات التي من شأنها تحقيق أهداف المؤسسة وأهداف أصحاب المصالح فيها واستدامة تلك المؤسسات.

سوف أذكر في هذا المقال مجموعة من الممارسات التي يوصى بها‏ في اختيار الأعضاء المستقلين والتي ستساعد في زيادة ‏فاعلية مجلس الإدارة واللجان الرقابية المنبثقة من المجلس ‏بعيداً عما ورد في لوائح أو قواعد الحوكمة الصادرة عن ‏الجهات التنظيمية المختصة في مختلف الدول؛ والتي حددت في أغلبها معايير استقلالية الأعضاء المستقلين، والتي منها: أن يكون العضو المستقل قادراً على ممارسة مهامه وإبداء آرائه والتصويت على القرارات بموضوعية وحياد، وأن لا يكون مالكاً لنسبة معينة أو أكثر من أسهم المؤسسة أو له صلة قرابة مع من يملك هذه النسبة (في الشركات المساهمة)، وأن لا تكون له صلة قرابة مع أي من أعضاء مجلس الإدارة أو مع أي من كبار التنفيذيين في المؤسسة، وأن لا يعمل أو كان يعمل موظفاً خلال فترة ماضية لدى المؤسسة أو أي طرف متعامل معها، كمراجعي الحسابات الخارجيين وكبار المورّدين أو أن يكون مالكاً لحصص سيطرة لدى أي من تلك الأطراف خلال مدة محددة، وأن لا تكون له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الأعمال والعقود التي تتم لحساب المؤسسة، وأن لا يتقاضى أي مبالغ مالية من المؤسسة عدا مقابل عضويته في مجلس الإدارة أو أي من لجان المجلس، وأن لا يشترك في عمل من شأن منافسة المؤسسة، وأن لا يكون قد أمضى ما يزيد على عدد من السنوات (متصلة أو منفصلة) في عضوية مجلس إدارة المؤسسة، وغيرها من المعايير.

من الممارسات التي يوصى بها في تشكيل مجالس الإدارة:-
(1) أن تكون غالبية أعضاء المجلس من المستقلين.
(2) أن يرأس المجلس عضو مستقل أو على الأقل أن يكون نائب رئيس المجلس مستقل. فمن التوصيات التي وردت في مدونة كينغ الرابعة للحوكمة (King IV) توصية بضرورة اختيار أحد أعضاء مجلس الإدارة ‏المستقلين للعمل كَـ "عضو قائد مستقل (‏Lead Independent Director‏)" من أجل زيادة موضوعية ‏واستقلالية مجلس الإدارة، وخصوصاً عندما تعتبر استقلالية رئيس مجلس الإدارة في موضع ضعف أو شك، ‏كأن يقوم بعمل الرئيس التنفيذي إضافة لعمله كرئيس لمجلس الإدارة، أو في حالة وجود تضارب في ‏المصالح.
(3) أن تكون الخبرات العملية والمعرفة العلمية والمهارات المتخصصة والقدرات والسمات الشخصية‏ (والتي يطلق عليها جميعا ‏‏"الجدارات")‏ للأعضاء المستقلين مكملة لجدارات باقي أعضاء المجلس من التنفيذيين وغير التنفيذيين، وليست مكررة لها، حتى يكون المجلس ككل متمكن (عنده القدرة على استخدام المعرفة في المواقف التي يرجح أن يتم التعرض لها، بحيث يتسنى ‏التصرف إزاءها دون الحاجة إلى الرجوع ‏بشكل مكثف إلى الأبحاث والمساعدة الفنية‏ من الإدارة التنفيذية أو من مستشارين خارجيين) في المجالات الثمانية التالية: الأسواق المحلية والعالمية، والصناعة، والعمليات والتشغيل، والقوانين والأنظمة، ‏والتكنولوجيا، والمحاسبة والمالية، والرقابة‏، وإدارة المخاطر، عدا طبعا إلمام كل عضو (عنده القدرة على التعرف على وجود المشاكل أو توقع حدوثها، وتحديد الأبحاث الإضافية ‏اللازم إجراؤها أو المساعدة التي ‏يلزم الحصول عليه من الإدارة التنفيذية أو من مستشارين خارجيين‏) بمجالات أخرى مثل الإدارة (التنظيم والتخطيط والتوجيه والرقابة)، والحوكمة، وقراءة البيانات والتقارير المالية وفهمهما، والاقتصاد، ‏والقانون التجاري، ‏والضرائب، وتقنية المعلومات.    

ومن الممارسات التي يوصى بها عند قيام الأعضاء المستقلين بواجباتهم ومسؤولياتهم:
(1) أن يسعى كل عضو مستقل لإقامة حوار بنَّاء مع مجلس إدارة المؤسسة وإدارتها التنفيذية، وأن يكون واضحًا أمام مجلس ‏الإدارة والإدارة التنفيذية حول أسباب عدم موافقته على أي قرار مقترح، وعدم إساءة استخدام منصبه بما ‏يضر بمصالح المؤسسة أو باقي أصحاب المصالح أو استخدامه لتحقيق مكاسب شخصية مباشرة أو غير مباشرة أو ‏لتحقيق ميزة لشخص آخر مرتبط به باستثناء الحصول على مكافأة نظير عضويته في المجلس.
(2) أن يسعى كل عضو مستقل بأسرع وقت ممكن لتحصيل معرفة كافية عن أعمال المؤسسة حتى يستطيع العمل بفاعلية في مجلس ‏الإدارة، تشمل هذه المعرفة التعرف على أعمال المؤسسة والأسواق التي تعمل فيها وأهم العملاء وهيكل ‏إدارتها ومسؤولي الإدارة فيها، وأنواع الأسرار الحكومية والتجارية التي قد يطلع عليها والبنود والشروط ‏التي تضبط استخدام تلك الأسرار، والأمور الخاصة بالإنتاج والتكنولوجيا والشؤون الاجتماعية والبيئية ‏والمالية وغيرها مما يرتبط بأعمال المؤسسة، والإلمام بجميع القوانين واللوائح المعمول بها حتى يتسنى له تحقيق فهم كامل للالتزامات المحتملة المترتبة ‏على تأدية مهام عمله.
(3) قيام كل عضو مستقل بزيارة ‏مواقع المؤسسة أو مناطق الإنتاج (الخدمات) الرئيسية فيها. 
(4) أن يعمل كل عضو مستقل كوكيل عن جميع أصحاب المصالح، وبالتالي يجب عليه - في حدود ما تسمح به صلاحياته - حماية ‏حقوقهم ومصالحهم المشروعة، والمساعدة على فتح قناة للحوار البنَّاء بينهم وبين مجلس إدارة المؤسسة وإدارتها التنفيذية، وعليه أيضاً:‏
(‌أ) فهم توقعاتهم وإحاطة المؤسسة بتلك التوقعات وبآرائهم حيال الأمور التي تشكل أهمية ‏بالنسبة لهم. ‏
(‌ب) السعي لضمان حصولهم على معلومات كاملة وفورية بشأن عمليات المؤسسة حسبما هو منصوص ‏عليه في القوانين المعمول بها، والسعي نحو تطبيق الشفافية داخل المؤسسة وتوسيع نطاق الإفصاحات ‏الإضافية التطوعية. ‏
(5) أن يسعى كل عضو مستقل لتحسين مهاراته المهنية من خلال المشاركة في برامج تدريب خاصة والمشاركة في أنشطة ‏المنظمات المهنية المدنية التي تعمل على تحسين مهنة أعضاء مجلس الإدارة المستقلين‏.

من الممارسات التي يوصى بها في تشكيل اللجان الرقابية المنبثقة من مجلس الإدارة، كلجنة التدقيق ولجنة إدارة المخاطر ولجنة الامتثال المؤسسي وغيرها من اللجان، التالي:
(1) أن يرأس لجنة التدقيق عضواً مستقلاً من غير أعضاء مجلس الإدارة حتى لا ينحاز للمجلس على حساب اللجنة عند حدوث على سبيل المثال تعارض بين توصيات لجنة التدقيق وقرارات مجلس الإدارة، أو إذا رفض المجلس الأخذ بتوصية اللجنة بشأن تعيين مراجع حسابات المؤسسة الخارجي وعزل وتحديد أتعابه وتقييم أدائه أو تعيين رئيس التدقيق الداخلي. كذلك حتى تقوم اللجنة بدورها الرقابي الهام فيما يتعلق بالرقابة الداخلية والخارجية وإدارة المخاطر والامتثال والحوكمة (حتى بوجود لجان أخرى منبثقة عن المجلس ومتخصصة بهذه الأمور). ‏
(2) أن لا يكون رئيس مجلس الإدارة عضواً في لجنة التدقيق ولجنة الترشيحات حتى لا يؤثر على موضوعية قرارات تلك اللجان فيما يتعلق بتقييم فاعلية نظام الحوكمة في المؤسسة وترشيح الأعضاء. ولا يوجد هناك ما يمنع من مشاركته في عضوية باقي اللجان الأخرى على أن لا يشغل منصب الرئيس فيها.
(3) أن يكون أحد أعضاء كل لجنة عضواً أيضاً في مجلس الإدارة لزيادة فاعلية التواصل بينهما دون أي تعدي على دور رئيس اللجنة في إدارة العلاقة بين المجلس واللجنة. من خلال اطلاعي على العديد من أنظمة الحوكمة في عدة دول متقدمة وغير ذلك؛ لاحظت وجود تفاوت في ضوابط ‏تشكيل لجان التدقيق وفِي تبعيتها، ففي بعض الدول يجب أن يكون جميع أعضاء اللجان أعضاء في ‏مجلس الإدارة (مثل ما ورد في نظام حوكمة الشركات المساهمة العامة الصادر عن هيئة أسواق المال في دولة ‏الكويت)، وفِي دول أخرى سمحت أن تضم اللجنة أعضاء من خارج المجلس (مثل ما ورد في نظام حوكمة الشركات ‏المساهمة العامة الصادر عن هيئة السوق المالية في المملكة العربية السعودية). في دولة الكويت تبعية لجنة التدقيق لمجلس الإدارة، وفِي المملكة العربية السعودية تبعية لجنة التدقيق للجمعية العامة التي تنتخبها.

تشير الشواهد القولية إلى أن أعضاء مجلس الإدارة لا يعتقدون بحتمية ارتباط الاستقلال الحقيقي بمعايير الاستقلال الرسمية. فقد وجدت دراسة غير رسمية أجرها أساتذة في كلية هارفارد للأعمال ‏أن الخبرة المناسبة تعد مؤشراً لجودة عضو المجلس أكثر أهمية من التزامه المتطلبات التنظيمية.

يتوقع من أعضاء المجلس أن يظهروا استقلالية واضحة كي يكونوا فاعلين كهيئة استشارية ورقابية. يتم تقييم الاستقلالية من الناحية التنظيمية بمدى تحرر عضو المجلس من تضارب المصالح الذي قد يعرض قدرة العضو على العمل لمصلحة المؤسسة فقط إلى المساومة والتنازل، وبالتالي فإن الاستقلالية أمر بالغ الأهمية لأنها تضمن أن أعضاء مجلس الإدارة قادرون على اتخاذ مواقف معارضة لمن هم في الإدارة عندما تقتضي الضرورة ذلك، ولذلك، على سبيل المثال، تشترط بورصة نيويورك للأوراق المالية (NYSE) على الشركات المدرجة فيها أن يكون أغلبية أعضاء مجلس الإدارة مستقلين، ‏كما تلزمهم بلجان مستقلة بذاتها للتدقيق والتعويضات والحوكمة والترشيحات.

مع ذلك فإنه المعايير الرقابية (المتعلقة باختيار الأعضاء المستقلين) ليس بالضرورة ذات استقلال حقيقي، فأعضاء مجلس الادارة الذين عملوا مع الإدارة التنفيذية لفترة طويلة من الزمن قد يكوِّنون معهم علاقة جيدة والتي بدورها ستشكل تحديا فعليا لمنظور الاستقلالية. ويمكن أيضا أن تتعرض الاستقلالية للخطر بسبب العوامل الفردية مثل مستوى جدارة عضو مجلس الإدارة ‏وقيمه وعلاقاته الشخصية بالإدارة التنفيذية، فهناك العديد من الأمثلة لمجالس إدارة تضم أعضاء ذوي قدرات عالية والذين سايروا إدارات المؤسسات التنفيذية في قرارات ثبت لاحقاً أنها كارثية. فعلى سبيل المثال، فشل مجلس إدارة شركة إنرون (Enron) في كبح جماح الإجراءات الإدارية التي عُدت لاحقاً إجراءات جنائية.



login