أخبار

قياس رأس المال المعرفي في الاقتصاد الرقمي

08-أيلول-2026

بقلم: الدكتور طلال أبوغزاله

  

لطالما شكّلت المحاسبة اللغة التي تُعبِّر بها التجارة عن نفسها؛ فهي لغة الثقة والقيمة واتخاذ القرار. وعلى مدى قرون، انصبّ اهتمام هذه اللغة على قياس الأصول الملموسة، كالأراضي والآلات والمعادن الثمينة، إلى جانب تتبّع حركة السلع والخدمات. أما اليوم، فقد أصبح من الضروري أن يتطور هذا المفهوم، إذ باتت المحركات الرئيسة للقيمة في القرن الحادي والعشرين ذات طبيعة معرفية ورقمية على نحو متزايد. وعلى الرغم من أن المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية (IFRS) تعترف ببعض الأصول غير الملموسة، فإنها لا تعكس بصورة كاملة العديد من الموارد المعرفية المتولدة داخليا، والتي تمثل اليوم ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي الحديث.

وبموجب المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، ولا سيما المعيار المحاسبي الدولي رقم (38) الخاص بالأصول غير الملموسة، تُعالج نفقات البحوث عادة كمصروفات تُحمَّل على الفترة المالية عند تكبدها، في حين يجوز رسملة نفقات التطوير فقط عند استيفاء معايير محددة للاعتراف بها. وبالمثل، يتم الاعتراف بالبنية التحتية المادية، مثل الخوادم والمعدات، كأصول، كما يمكن أيضا رسملة البرمجيات المطورة داخليا إذا استوفت تلك المعايير. إلا أن العلامات التجارية المنشأة داخليا، ومنظومات البيانات المملوكة، والمعرفة التنظيمية، والعلاقات مع العملاء، وخبرات القوى العاملة، لا يعترف بها عموما كأصول، لعدم استيفائها متطلبات الاعتراف الحالية. ونتيجة لذلك، قد لا تعكس القوائم المالية بصورة كاملة الأهمية الاقتصادية للعديد من الاستثمارات القائمة على المعرفة. ورغم أن هذا النهج المتحفظ يعزز موثوقية المعلومات المالية وقابليتها للمقارنة وإمكانية تدقيقها، فإنه قد يحدّ في الوقت ذاته من قدرة المستثمرين على تقييم القيمة طويلة الأجل التي تخلقها الابتكارات ورأس المال الفكري.

ومع تزايد اعتماد الاقتصادات على المعرفة والتقنيات الرقمية، أصبح تطوير أساليب الإفصاح عن رأس المال المعرفي أولوية استراتيجية. وسواء تم ذلك من خلال تطوير المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية مستقبلا، أو عبر أطر مكملة للإفصاح والتقارير، فإن تعزيز الشفافية بشأن الموارد غير الملموسة من شأنه أن يرفع من جودة التقارير المالية وفائدتها. ففي العديد من الصناعات كثيفة المعرفة، أصبحت الأصول غير الملموسة المحرك الرئيس لقيمة المنشآت. ومن ثم، ينبغي أن تواصل التقارير المالية تطورها من خلال توفير معلومات أكثر اتساقا وجدوى لاتخاذ القرار بشأن الملكية الفكرية، والأصول الرقمية، وموارد البيانات، وغيرها من القدرات القائمة على المعرفة، متى أمكن قياسها بصورة موثوقة.

ويتطلب هذا التطور توسيع منظورنا لمفهوم خلق القيمة. فإلى جانب المحاسبة التقليدية لرأس المال، التي تركز على الموارد المادية والمالية المتراكمة، تبرز الحاجة إلى تطوير ما يمكن تسميته بـ«محاسبة القدرات»، بوصفها إطارا مكملا يركز على قدرة المؤسسة على توليد القيمة المستقبلية من خلال الابتكار والتكنولوجيا والخبرات البشرية. وتؤكد المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية بالفعل على الملاءمة والتمثيل الصادق بوصفهما من الخصائص النوعية الأساسية للمعلومات المالية المفيدة. ومن شأن البناء على هذه المبادئ عبر تعزيز الإفصاحات، وتوسيع معايير الاعتراف عند الاقتضاء، أن يُمكّن التقارير المالية من التعبير بصورة أفضل عن الأهمية الاستراتيجية للاستثمارات القائمة على المعرفة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الانضباط الذي تفرضه متطلبات القياس الموثوق.

لقد شهدتُ على امتداد مسيرتي المهنية كيف تسهم الملكية الفكرية والتعليم والابتكار في إحداث تحولات جوهرية في الاقتصادات. وعندما أسست «طلال أبوغزاله العالمية»، كان إيماني راسخا بأن الأصول الفكرية تمثل الثروة الحقيقية للأمم. وفي ذلك الوقت، كانت الدعوة إلى تعزيز الاعتراف بحقوق الملكية الفكرية وحمايتها تواجه في كثير من الأحيان قدرا من المقاومة. أما اليوم، فإن جدلا مشابها يدور حول كيفية قياس رأس المال المعرفي والإفصاح عنه. وكما استطاعت العلامات التجارية وبراءات الاختراع وغيرها من حقوق الملكية الفكرية أن تترسخ تدريجيا ضمن المنظومتين القانونية والمالية، فقد آن الأوان لتطوير منهجيات أكثر انتظاما لقياس موارد البيانات، والمعرفة المؤسسية، وقدرات الابتكار، والإفصاح عنها ضمن تقارير الشركات.

إن التطور المستمر للتقارير المالية، بما يشمل المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية والأطر المكملة للإفصاح، يُعد عنصرا أساسيا لدعم الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة والشاملة. ففي عصر أصبحت فيه المعرفة والابتكار والقدرات الرقمية عوامل حاسمة في التنافسية، فإن قدرتنا على قياس ما يخلق القيمة الحقيقية ستحدد ما إذا كانت التقارير المالية ستظل مواكبة للواقع الاقتصادي، وقادرة على خدمة المستثمرين، ومجتمع الأعمال، والمجتمع بوجه عام بكفاءة وفاعلية.

 

login