أخبار

كيف يسهّل التمويل الإسلامي في الاستثمار الأخضر (استثمارات قضايا البيئة)

13-أيار-2015

بقلم: إيلي ر. خزام، رئيس تحرير، بوابة المعرفة العالمية IFAC
 
العديد من المجتمعات المختلفة اليوم لها نفس المصالح في الجوهر. فنحن نسعى إلى أن نجعل العالم "أخضراً"، وإلى المحافظة على الموارد أيضاً. كما نودّ أن نستثمر في الصّناعات التي ستعود في نهاية المطاف بالنّفع على الإنسانية جمعاء. إذ تقوم العديد من الصّناعات الجديدة، المستندة على العلوم والتّكنولوجيا الحديثة، بمساعدة الشّركات على اختيار هذا الاتجاه. وأعتقد أنّ ذلك أيضاً بعضاً من أهم المبادئ الأساسية للتّمويل الإسلاميّ. فكيف تتلاقى هذه المصالح،  ولِمَ يُعَدُّ هذا هامّاً للعالم ليلتفت إليها؟
 



توفّر الشريعة توفّر الشريعة في كثيرٍ من الدّول الإسلاميّة، التي هي المنهج الخلقيّ الذي يؤمن به الإنسان، الإطارَ القانونيَّ لتنظيم العديد من جوانب الحياة العامّة والخاصّة. ويشمل التمويل الإسلامي جوانب الشريعة المتعلّقة بالأعمال والاقتصاد. وبمعنى أعمّ، فإنّه يُتَوقّعُ من الأفراد أن يحقّقوا التوازن بين حاجتهم ومصالح المجتمع ككل. فيتمّ وضع هذا الفكرة موضع التّطبيق بعدة طرق.
 
أوّلاً، هناك واجب دينيّ في الإسلام –  واجب أخلاقيّ، فإذا ما أردتَ ذلك فعليك إذاً أن تستثمر في المشاريع والشّركات الأخلاقيّة والنّافعة. فهذا يحول دون الاستثمار في العديد من أنواع الشركات (مثل: المقامرة والمواد الإباحية، الكحول، إلخ) التي تشجّع على الجريمة و/أو السلوك المعادي للمجتمع.
 
ثانياً، يتمُّ تشجيعُ المسلمينَ على استثمار الموارد من أجل إنعاش المجتمع، وخاصّة المُعدَمِين منهم. وبالتّالي، فإنّه من المتوقّع أن تقدّم المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة خدمات خاصّة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها. هذا لا يعني تقديم التّبرّعات الخيريّة فحسب وإنّما أيضا أشكالاً معيّنة من القروض الغير ربحيّة أيضاً.
 
ثالثاً، يُنهى في القرآن الكريم عن الإسراف والتبذير، ويوضع على عاتقنا مهمّة الاعتناء بالبيئة ومسؤوليتنا على المحافظة عليها. فيقول الله _عزّ وجلّ_ في كتابه العزيز: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿٣١﴾" سورة الأعراف الآية 31، كما يقول _ سبحانه وتعالى_ في سورة الأنعام الآية 38: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴿٣٨﴾". فكيف للتّمويل الإسلامي أن يترجم هذه الأفكار إلى أفعال؟ الوثيقة الماليّة الرّئيسيّة هي الصّكوك أو السّندات الإسلاميّة. وتشمل المشاريع الخضراء التي تموّلها الصّكوك الإسلاميّة: الطّاقة النّظيفة، وسائل النّقل الجماعي، والمحافظة على المياه، والتّشجير، والتّكنولوجيّات ذات الكربون المخفّض. وتشمل هذه المبادرات التّمويليّة الخضراء أيضاً الاستثمارات المسؤولة اجتماعياً التي تهدف إلى تحسين حياة النّاس والمجتمعات. كما تهدف إلى تشجيع المستثمرين على نقل رؤوس الأموال إلى الشّركات التي تغرس معايير حوكمة عاليةَ التّنوع، والمساءلة، والشّفافيّة. فقد بَحَثَ تقريرٌ صدرَ مؤخّراً عن جماعة مركز ماليزيا الدّولي للتّمويل الإسلاميّ، التّمويل الإسلاميّ: على استعدادٍ لتمويل عالمٍ أكثر خضاراً، كيف أنّ المبادرات في مجال التّمويل الإسلامي هي التي توجّه التّنمية المستدامة الصّديقة للبيئة في جميع أنحاء العالم. رغم أنّ المصرف الدّولي وغيره من المؤسّسات رُوَّادُ مبادرات السندات الخضراء إلّا أنّ ماليزيا، وهي إحدى المراكز الأكثر نشاطاً في التّمويل الإسلاميّ، تأخذ زمام المبادرة لتوفير سوق لتمويل المشاريع الخضراء المماثلة من خلال الصّكوك.
 
يُعدّ مصرفُ التّنمية الإسلاميّ (IsDB) عنصراً هامّاً في استثمارات قطاع الطّاقة النّظيفة، الاستثمارات التي يبلغ الإجمالي لديها على ما يقارب المليار دولار أمريكي من عام 2010 إلى عام 2012، لكل استجابة لتغيّر المناخ. حيث تتزايد مشاريع الطاقة النظيفة أيضاً في البلدان التي أغلب سكانها مسلمون – كانت أكثر خمسة بلدان استفادةً من برنامج مصرف التّنمية الإسلاميّ لتمويل قطاع الطّاقة المتجدّدة هي المغرب وباكستان ومصر وتونس وسوريا.
 
ومن المتوقع في منطقة الخليج العربي أن تصدر دولة الإمارات العربية المتّحدة أوّل السّندات المتوافقة مع الشّريعة الإسلاميّة في العالم بهدف تمويل مشاريع الطّاقة الخضراء هذا العام، وربّما في وقتٍ مبكّر من الشّهر المقبل، وفقاً لما ورد عن خبراء الصّناعة. كما أنّ هذه السّندات مصمّمة لتمويل منتجات الطاقة الخضراء في عام 2015، وفقاً لتقريرٍ صدرَ مؤخّراً في صحيفة ذا ناشيونال (الوطنيّة). ومن المنتظر لهذه المبادرة أن تفتح السّوق الخليجيّة الإقليميّ وأتسمح للشّركات الصغرى بمتابعة "الصّكوك الخضراء" كوسيلة لتمويل منتجاتها وخدماتها.
 
وتُستَخدم الصّكوك الإسلاميّة أيضاً لمعالجة تحسينات الصّحة العامّة. ففي ديسمبر الماضي ذكرت وكالة الأنباء رويترز أنّ شركة التسهيل التّمويلي الدّوليّة للمناعة سوف تستخدم عائدات صكوكها في تمويلِ مشروعاتٍ للتّحالف العالميّ للّقاحات والمناعة (GAVI). وقد موّل التّحالف منذ تأسيسها في عام 2000 جهود التّحصين في 73 بلداً، و وُجّهَت نصف استثماراتها إلى 33 دولة التي أغلب سكانها مسلمون، بما في ذلك اليمن، ومالي، وإندونيسيا.
 
يتقدّم الاستثمار المجتهد في الغرب على مسار مماثل. و على نحو متزايد فإنّ للمستثمرين خيارات لأجل "الاستثمار الأخضر" و"الاستثمار من خلال منظّمة التّعاون الاقتصادي" و"الاستثمار الاجتماعيّ". ولكن هناك اختلافات جوهريّة فليس الغرض من الصّكوك الإسلاميّة أن تبلغ نفس الدّرجة من المخاطر والتّعقيدات كما تفعل السّندات الماليّة الغربيّة. كما أنّ الصّكوك الإسلاميّة لا تستخدم مفهوم الفائدة  فالرّبا أمرٌ محرّم في القرآن الكريم. فلدى المستثمرون عموماً خطراً أكبراً وهم مرتبطون بشكل وثيق بالملكيّة وبحصيلةِ استثماراتهم. بينما في مجال التّمويل الإسلاميّ فإن المقصود من اكتساب الثّروة هو أن تُكتَسب من المجهود المبذول، لا من الصّدفة والحظّ أو القمار. وبهذا يمكن القول بأنّ المستثمر على الطريقة الغربيّة يتمّ استقصاؤه من كلٍّ من المؤسّسة ومن تنمية استثماره.
 
وعلى الرّغم من هذه الاختلافات فإنّ المحصّلة النّهائية – العالم الأخضر، النّظيف، الصديق للبيئة، وربّما أكثر إنسانية – هي حافزُ ناشئٌ هامٌّ لكلا التّمويلَين الإسلاميّ والقائم على الطراز الغربيّ. ولا تزال كيفية وصولنا إليه خطّة عامّة. ويبقى السؤال المطروح هو أنّ أيّ نظام سيحظى بقدرٍ أكبر من التّأثير على الآخر. وهل تستطيع القدوة الرّوحانية التّقليدية للإسلام أن تحفّز نموذجاً تحرّكه المبادئ أكثر على الظهور في الغرب؟
 
login