أخبار

المحاسبة السيئة تولّد سياسات سيّئة

13-أيار-2015

 
 هانز هوجرفورست، رئيس مجلس معايير المحاسبة الدولية IASB
 
إنه لمن دواعي سروري أن أكون معكم هنا في إدنبرة. لقد كانت أدنبرة بالطبع مسقط رأس آدم سميث، وغالباً ما يشار إليها باسم (أب الاقتصاد الحديث). وأفضل ما عُرِف به آدم سميث هو "ثروة الأمم" ومفهومها "لليد الخفية". فمن وجهة نظره أنّ المصلحة الشخصية الرشيدة ترشد المشاركين للتداول في السوق بأسلوب نافع للطرفين. ومع ذلك كتب نظرية العواطف الأخلاقية التي يصف فيها كيف أنّ مراقبة الآخرين يجعل الناس يدركون أخلاقيات سلوكياتهم. 

 
هذه المفاهيم ذات علاقة بالحال اليوم كما كانت عليه في القرن الثامن عشر. وأودّ الاعتقاد بأن آدم سميث كان من أشد المعجبين بمجلس المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، لأنّه يسمح "لليد الخفية" بالعمل على الصعيد الدولي. كما تساعد المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية المستثمرين على تحديد الفرص والمخاطر في جميع أنحاء العالم. فيمكن توزيع رأس المال على أساس الأكثر كفاءةً، في حين يتم إزالة احتكاك الأنظمة المحاسبية الوطنية. ربّما يكون آدم سميث قد وافق أيضاً على المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية لأنه مجلس يساعد المستثمرين على كيفية مراقبة الآخرين، إدارة الشركة تحديداً، واعتنائهم بمواردهم.
 
إنّ مفهوم القوامة أمر بالغ الأهمية لإنعاش الأسواق المالية، لأنّنا نعيش في عالم حيث معظم الناس الذين يعملون في قطاع الخدمات المالية يعملون بأموال الآخرين. ونتيجة لذلك فإنّ المخاطر الأخلاقية موجودة في كل مكان، لأنّ الأزمة المالية قد ظهرت بوضوح.
 
يلعب مجلس معايير المحاسبة الدولية دوراً صغيراً لكنّه هامٌّ في الحفاظ صدقية هذا النّظام برمته. فدورنا هو التطوير والمحافظة على اللغة العالمية لتقديم التقارير المالية التي تساعد على الحدّ من هذه المخاطر الأخلاقية. ونحن نفعل ذلك من خلال سدّ فجوة المعلومات بين المستثمر والمستثمر فيه. ونعمل على سدّ تلك الفجوة من خلال توفير معلومات مالية موثوقة وقابلة للمقارنة للمستثمرين مثلكم.
 
محاسبة المعاشات التقاعدية
اسمحوا لي أن أنتقل الآن تحديداً للمحاسبة والمعاشات التقاعدية.
إذا كنتم تريدون أن تعرفوا كيف تكون طريقة المحاسبة السليمة الضروريّة لمعاشات التقاعد، فقط ألقوا نظرة على أيّة منطقة تعاني نقصاً كبيراً. وأشير هنا بالطبع إلى المحاسبة في معاشات التقاعد في القطاع العام. ففي الواقع أنّ بالنسبة لكثير من البلدان لم يتمّ التّعرف فيها على مسؤولية المعاشات التقاعدية للقطاع العام أو قياسها على الإطلاق. ولكن لحسن الحظّ أنّ هناك بعض الدول التي تفعل، ولكن حتى في تلك الدّول خصوم التقاعد فيها ليست دائماً موحّدة تماماً في الميزانية العمومية للقطاع العام.
 
وهذا النقص في المحاسبة سليمة يخفي عن الأنظار حقيقة مزعجة جداً. ففي العديد من البلدان خصوم التقاعد في القطاع العام أكبر من ديون الحكومة اليونانية. ولكن على العكس من الديون اليونانية فإنّ خصوم التقاعد ليست ظاهرة (بالكامل). وذلك يعني عدم وجود ترويكا ولا برامج تعديل، وبالتالي قد تأتي عمليات إعادة الهيكلة التي لا مفرّ منها بعد فوات الأوان. فالمحاسبة السيئة تولّد سياسات سيئة.
 
متطلّبات المحاسبة أشد صرامة بكثير في القطاع الخاص. فالخبر السّارّ هنا هو أنّ المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية تطالبُ الشركات بتوفير معلومات حديثة وقابلة للمقارنة حول مسؤولية معاشاتهم التقاعدية. أمّا الأخبار السيئة، بطبيعة الحال، فهي أنّ الأرقام، رغم أنها كانت أفضل بكثير ممّا كانت عليه في القطاع العام، لا تزال ليست جيّدة جداً.
 
وفقا لشركة ميرسر، تضاعف تقريباً حجم عجز المعاشات في أكبر الشركات في المملكة المتحدة خلال العام الماضي إلى مستويات قياسية. ففي الواقع، بعض مؤشرات 100 شركة من شركات فاينانشال تايمز لديها التزامات متعلقة بالمعاشات التقاعدية التي هي أكبر من قيمتها السوقية للأسهم (رأسمالها). حيث أنّ الفترات الطويلة لأسعار الفائدة المنخفضة للغاية هي التي تحرّك هذه العجوزات. وعلاوة على ذلك، يستمر الناس في العيش لفترة أطول.
 
هذه كل الأخبار السيئة بالنسبة للشركات المسؤولة عن اكتتاب هذه الالتزامات، ولكن أصبح المستثمرون على دراية بها على الأقل. وممّا لا يثير الدّهشة، أن تظهر البحوث أنّ المستثمرين يشعرون بالقلق من الاستثمار في الشركات التي لديها عجز كبير في المعاشات.
 
لذلك على الأقل تفصح المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية عن المشكلة وتصدق القول. والسؤال هو، هل نقوم بفعل ذلك على النّحو الصّحيح؟
 
أنا متأكد من أن بعض الناس اليوم يعتقدون أن المعايير المحاسبية تعتمد كثيراً على قياس القيمة العادلة، والذي بدوره يؤدي إلى الكثير من تقلبات السوق فلا يخدم وجهة نظركم طويلة الأجل ولا المستثمرين على المدى البعيد.
 
أنا لا أتفق مع هذا الرأي، ولكن أستطيع تفهّم سبب قوله. التركيز على الأرباح قصيرة الأجل منتشر في الأسواق الماليّة. يمكن للأسواق الحصول على أشياء خاطئة للغاية – ولفترات طويلة جداً من الزّمن. وقد فقدت فرضية فعالية السوق مصداقيتها حقّاً. لذلك لا ينبغي ردع المستثمر طويل الأجل عن طريق تقلبات السوق على المدى القصير وبدع الاستثمار.
 
وفي الوقت نفسه فإنّه يجب على أيّة استراتيجية استثمارية رشيدة على المدى الطويل أن تقيّم باستمرار مدى تمكّن التغييرات من التأثير على القدرة على تحقيق أهدافها في السوق. وكما ذكر }كينز{ متهكّماً: "لا يوجد شيء كارثي كسياسة استثمارية رشيدة في عالم غير رشيد".
 
ظروف السوق الحالية هي خير مثال على ذلك، فقد بدأت جميع السياسات النقدية المتطرفة كتدابير للطوارئ قصيرة المدى. وقد وُضعت سياسة أسعار الفائدة الصّفريّة لليابان في مكانها الأصلي "حتى يتم تبديد المخاوف الانكماشية". والآن، وبعد مرور 16 عاماً كاملةً، لا تزال نفس السياسة على المدى القصير في محلّها بل وأصبحت أكثر تطرّفاً.
 
وطالما تقع أوروبا تحت طائلة تهديد الجبال الضّخمة من الدين العامّ والخاصّ، فمن المرجّح أن تصبح السياسات النقدية غير التقليدية وضعاً طبيعيّاً عامّاً. إذ أنّ أغلب المصارف المركزية مدركةٌ تماماً أنّ أسعار الفائدة المنخفضة تضرّ نموذج الأعمال التّجارية لشركات التأمين وصناديق التّقاعد. ولكنّي أخشى أنهم يرونها مجرّد أضرارٍ جانبيةٍ حتميّة في الجهود لإبقاء عبء الدّيون تحت السّيطرة. لذلك قد تصبح السياسات النقدية غير التقليدية هي الوضع الطبيعي الجديد.
 
ووجهة نظري هي أنّه من الصّعب جدّاً أن نميّز بين ما هي نقطة قصيرة الأجل وبين ما هو بدايةٌ في توجّهٍ طويل الأجل. ولهذا السبب، في مجال المحاسبة، يمكن لتوفير المعلومات الحالية – وليس مجرد التكلفة التاريخية – أن تكون في غاية الأهمية.
 
ونحاول نحن كواضعين للمعايير المحاسبية تحقيق التوازن السليم لذلك. فعلى سبيل المثال، فإنّ أحدث تعديلاتنا على معيار المحاسبة الدولي 19 "منافع الموظفين" هو أنّنا قمنا بإزالة ما يسمى بـ"منهج النطاق" من تأجيل الاعتراف بالأرباح والخسائر الإحصائية. ونتيجة لذلك فإنّ أصول أو التزامات معاشات صندوق التقاعد للميزانية العمومية تمثّل الآن الموقف التمويل الفعلي. ويرى المستثمرون بوجهٍ عامٍّ أنّ هذا بمثابة تحسّنٍ.
 
قمنا أيضاً في الوقت نفسه بتقديم مطلبٍ وهو أنّه يجب لإعادة القياسات هذه من صافي أصول أو التزامات معاشات صندوق التقاعد أن تُدرَج ضمن الدّخل الشّامل الآخر. إذ يجنّب هذا التغيير تقلّباتٍ ضخمةٍ محتملة في حالة تمويل المعاشات التقاعدية من الهيمنة على الربح أو الخسارة البالغة الأهمية والأرباح حسب الحصص كذلك.
 
ومع ذلك فقد يؤدّي الجانب السّلبيّ من استبعاد التزامات المعاشات التقاعدية من الربح أو الخسارة إلى مشاكل تتفاقم لفترة طويلة جداً. فهل يتعيّن حقّاً على الشركات أن تؤتي ثمارها عندما يستمر العجز الكبير في المعاشات التقاعدية في النّخر في ميزانيتها العمومية؟ يمكن القول، أنّ ضبط الربح أو الخسارة يؤدي إلى المزيد من العمل في الوقت المناسب.
 
وعلى أيّة حال هناك شكّ ضئيلٌ في أنّ الشفافية المنصوص عليها في المعايير المحاسبية الحديثة قد ساعدت الإدارة في التّعامل مع هذه القضايا على نحوٍ مناسبٍ أكثر في الوقت. إذ يجري تحويل برامج المعاشات التقاعدية بطريقة سريعة جدا. وتقدّم أقل من ربع مؤشرات 100 شركة من شركات فاينانشال تايمز الآن برامج منافع محددة لعدد كبير من الموظفين. وتتّجه العديد من الشركات في أوروبا وحول العالم في مكانها نحو ما يُسمّى ببرامج المعاشات التقاعدية الهجينة.
 
قد تكون هذه البرامج الهجينة معقولة للشركات، لكنها لا تتفق من منظور محاسبيّ مع فئات "المساهمات المحددة" أو "المنافع المحددة" في معيار المحاسبة الدولي 19. بالحقيقة، يمكن لبرامج المعاشات التقاعدية الحديثة أن تكون لها تباينات لا حصر لها، من أقصى المساهمات المحددة انتقالاً إلى المنافع المحددة، بدرجات متفاوتة وبأشكالٍ من المشاركة في تحمّل المخاطر. حيث يكافح النهج الثنائي لمعيار المحاسبة الدولي 19 من أجل التعامل مع هذ المشهد الجديد المتغاير جداً للمعاشات التقاعدية.
 
لهذا السبب، قرر مجلس معايير المحاسبة الدولية البدء بمشروعٍ بحثيّ لاستحداث نهج للمحاسبة في المعاشات التقاعدية بحيث يخدم جميع أنواع البرامج. وبذلك قد نكون قادرون على الاستفادة من العمل الذي قد قمنا به في مجال المحاسبة التأمينية. وفي تطوير نموذج أكثر شمولية للمحاسبة في المعاشات التقاعدية، فمن المنطقي النظر في القضايا الأخرى التي قد أثيرت في الممارسة العملية، كمشاكل تحديد عوائد السندات ذات الجودة العالية.
 
بطبيعة الحال، دخل معيار المحاسبة الدولي 19 المنقّح حيّز التّنفيذ قبل سنتين ونيف. فمن المهمّ بالنسبة لنا أن نرى كيف لتلك التغييرات أن تُحرز نجاحاً قبل النّظر في إمكانية إجراء المزيد من التغييرات. وسوف يستغرق الأمر عدة سنوات لاستكمال البحث وسوف تكون مساهمتكم عاملاً حاسماً في تحديد إمكانيّة وكيفية المضي قدماً.
 
الخاتمة
اسمحوا لي أن أن أختم بقول أنّني لست بحاجة إلى أن أخبركم بأنّ عالم المعاشات يواجه تحدّيات هائلة. فلقد قلبت الأزمة المالية كل شيء رأساً على عقب. فنموذج أعمالكم يقع تحت ضغط شديد من سياسات نقدية غير مألوفة. وأزيدكم من الشّعر بيتاً، أنّ المعايير المحاسبية تجعل هذه الضغوط جليّةً بسرعة أكبر من ذي قبل.
 
ولكنّني أعتقد جازماً أنّ المعايير، التي تخلق استقرار وهميّاً من خلال تحسين المشاكل على مرّ السنين، لم تكن تخدمكم. بل أعتقد أنّ كليكما على حدٍّ سواء، المستثمر والمدير، قد خدمتكما المعايير المحاسبية التي تعكس الواقع الاقتصادي بأدقّ وأنسب وقتٍ ممكن. ممّا يتيح لكما فرصة القضاء على المشاكل في مهدها بدلاً من السّماح لها بالتّفاقم.
 
وإنّني أتطلّع إلى حلقة نقاش حماسيّة وأشكر لكم وقتكم واهتمامكم.
 
login