أخبار
محاسبة البيئة والمسؤولية الاجتماعية
28-كانون الثاني-2021
بقلم الدكتور محمد عبد الله صوان
عضو مجلس إدارة المجمع الدولي العربي للمحاسبين القانونيين
لم تحظَ محاسبة البيئة بالقدر الكافي، والأهمية التي تستحقها من الجهات العلمية، بالرغم من دورها الكبير في حماية البيئة، والمحافظة على مناخ صحي خالٍ من الأمراض، بحيث ينعكس ذلك على تقليص التكاليف والخسائر التي تتحملها الحكومات سنويا، بسبب غياب المهتمين بمحاسبة البيئة، وللأسف يتم كل ذلك في الوقت الذي يتحدث العالم بأسرة عن الاستدامة وعن دورها في الحفاظ على الدخل القومي وعلى البيئة.
لذلك انسجاما مع رؤيتها، عملت حكومة دبي ومن خلال قطاعات العمل فيها، على وضع خططها المتنوعة لبناء وترسيخ مشاريع البنية التحتية ، والوصول الى مجتمع خالي من الأمراض يتمتع بالصحة والسلامة العامة، وبأرض تم تحويلها من بقعة صحراوية إلى مساحات خضراء تغطي مساحات كبيرة من الإمارة، لتتعانق مع مشاريع بيئية خضراء أخرى، مثل مشروع مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية (وقود المستقبل)، ليصب كل ذلك في جهود الحكومة ومواجهه تحديات تغيير المناخ العالمي والحفاظ على البيئة، وفي نفس الوقت المساهمة في قراءة الأثر الاقتصادي لمستقبل الامارة.
لذلك عندما نتكلم عن المحاسبة البيئية، يعني أننا نتكلم عن علاقة تربط البيئة بالاقتصاد والبنية التحتية والكوارث الطبيعية ومخاطر التلوث والأوبئة التي يشهدها العالم، وتأثير كل ذلك على صحة الإنسان والمجتمع من ناحية وعلى مدخرات وثروات الإمارة من ناحية أخرى، حيث لا يحق لأي فرد أو جهة (منشأة كانت أم مصنع) أن تعبث وتلحق الضرر في موضوع البيئة.
من هنا بدأت فكرة اهتمام حكومة دبي في قياس الأثر المحاسبي البيئي والمسؤولية الاجتماعية البيئية لتكريس مفهوم الأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة المنشودة، والتي تخدم أجيال المستقبل وتبث فيهم روح التحدي وتغرس في نفوسهم مفاهيم تنويع مصادر الطاقة المستدامة وبناء اقتصاد وطني برأس مال بشري، حيث أولت الحكومة عملية حساب التكلفة البيئية للأعمال التي تقوم بها سواء في مبادرة تخفيض نفقات الطاقة والمياه لتقليل البصمة الكربونية البيئية ومن خلال استخدام الألواح الشمسية أو إعادة تأهيل المباني الحكومية، أو إعادة استخدام المياه ومعالجتها، أو إنشاء الحدائق وخدمتها والاهتمام بالمزارع وتشجيع أصحابها، وتنفيذ مشروعات صناعية وخدمية ذات المنتج الأخضر ومنحها درجة كبيرة من الأهمية.
ولا يعني ذلك أن تقوم الحكومة بترجمة حساب التكلفة البيئية إلى أرقام مالية مباشرة أو بشكل موازنة مشاريع بقدر أن يتم قياس الآثار المستقبلية المحققة كعائد في المستقبل ولخدمة الأجيال القادمة، مثل بناء شبكة طرق آمنة تحد من الإصابات (تخفيض في تكاليف العلاج) وإهدار ممتلكات تمثل جزء من الدخل القومي (إطالة عمر وسائل النقل) وشبكة صرف صحي وبيئة نظيفة ومساحات خضراء وإدارة متكاملة للنفايات والبيئة وإنشاء الحدائق وزراعة الأشجار. كل ذلك من أجل مواكبة توسعات المستقبل وحفظ حق الأجيال القادمة في العيش الرغيد، وضمان التنمية والاستدامة المطلوبة.
وهنا يجب الإشارة إلى أن الاهتمام بالمحاسبة البيئية ليست مقصورة على بلد أو منطقة محددة، بل الجميع يتحمل التكلفة البيئية (تكلفة تلويث البيئة) حيث لا يقتصر أثر ذلك على بيئة محددة أو بلد محدد، بل يصل ليغطي العالم كله، ومثال على ذلك الكوارث الطبيعية والسيول، وتأثير ثقب الأوزون وارتفاع درجة حرارة الأرض وتآكل الغابات الاستوائية واستهلاك موارد المياه العذبة والبترول كلها تصيب العالم أجمع، وللأسف الدول النامية الأكثر حاجة وتجدها الأقل اهتماما بالمحاسبة البيئية، رغم أنها الأكثر تضررا من تلوث البيئة واستهلاك الموارد الطبيعية والإسراف في المياه وإضاعة الأراضي الصالحة للزراعة.
في دبي هناك ربط وثيق بين التشريعات والاستدامة والمحاسبة البيئية، حيث تسعى الحكومة ومن خلال إصدارها للقوانين والتشريعات المتعلقة بالرقابة والتفتيش على الصحة العامة وسلامة المجتمع والمحافظة على النباتات والثروات والحد من استهلاك الطاقة في الإمارة والحماية من الممارسات البيئية الخاطئة والتخلص من النفايات بطريقة سليمة والحد من التعدي على الممتلكات الحكومية والتأكيد على أهمية الشراء الأخضر، وتقليل الانبعاثات والضوضاء، وذلك من خلال امتثال الجميع للتشريعات ومعاقبة المخالفين كون ذلك ينعكس سلبا على اقتصاد الإمارة وهدر للمال العام وموازنة الحكومة. لذلك سوف نتكلم في المرة القادمة عن أهمية الإفصاح عن الضرر البيئي والمعالجة المحاسبية والإبلاغ المالي لتكاليف البيئة (محاسبة البيئة) كي يكون هناك تطبيق وإلزام المتسبب في الضرر البيئي بدفع التعويض المناسب عن الضرر الذي تسبب به للآخرين.
هناك ضرورة لبيان كيفية احتساب الضرر البيئي ومعرفة المعالجة المحاسبية لتكاليف البيئة (محاسبة البيئة) وتطبيق العقوبات والغرامات على المتسبب في الضرر البيئي نتيجة الضرر الذي تسبب به للآخرين. وفي الوقت الذي تقوم به حكومة دبي بالإنفاق على أنشطة ومشاريع الحفاظ على البيئة، يجب احتساب تكلفة هذه المساهمة وأخذها بالاعتبار عند صياغة التشريعات والقوانين المنظمة للبيئة، وذلك بهدف الحد من تعدي الغير على البيئة أولا، وبهدف تحديد المسؤولية البيئية والاجتماعية لأصحاب المشروعات والمصانع ثانياً، وفي نفس الوقت مطالبتهم بتخصيص جزء من الأرباح وتحويلها إلى مساهمات تنفق على مشاريع مجتمعية وتغطي جزء من النفقات الحكومية ذات العلاقة بالبيئة.
بالطبع يعتبر البعض البيئة سلاح ذو حدين بالنسبة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة، فالتنمية تعني إقامة المصانع والمشاريع التي تحقق عوائد ضخمة، ولكنها في نفس الوقت تعمل على إيقاع الضرر بالبيئة وإحداث التلوث الذي يحتاج إلى عملية إصلاح تؤثر في الناتج القومي للدول وتستنزف الموارد المالية.
في مجال الصناعة مثلا، فإن الصناعات الغذائية والكيمائية والهندسية وغيرها تدر ثروة على أصحابها، لكنها في نفس الوقت تعتبر مصدرا من مصادر التلوث، نتيجة المخلفات (السائلة أو الأدخنة) التي تلوث الماء والهواء، أو مصدرا للضوضاء الذي يؤثر على الراحة والهدوء والسمع.
وفي مجال الزراعة البيئية، تواجه عملية التنمية واستصلاح الأراضي، وزيادة الرقعة الخضراء، عقبات مثل التوسع العمراني وزيادة عدد السكان، على حساب الأراضي الزراعية، وبعض المناطق تكثر فيها ظاهرة التصحر وملوحة الأرض، بالإضافة إلى قلة الموارد المائية، واستخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية، وبالتأكيد تنعكس آثار ذلك على صحة الإنسان وبالتالي على الاقتصاد الوطني.
وفي مجال الطاقة والنقل، يتم الاعتماد على الغاز الطبيعي والكهرباء لمواكبة التقدم التكنولوجي واستخدام وسائل النقل الحديثة (جوي، مائي، بري) والتي ينتج عنها تلوث بيئي مثل انبعاث الغازات الضارة.
حكومة دبي ممثلة في بلدية دبي مثلا، تتحمل ميزانيتها النصيب الأكبر من النفقات البيئية ونفقات البنية التحتية مثل: إنشاء الحدائق العامة وتوسعة الرقعة الخضراء، وبناء شبكات المجاري والصرف الصحي، ومعالجة الغازات وتدوير النفايات والتخلص منها، والمحافظة على البيئة والصحة والسلامة العامة. بالمقابل هناك مسؤولية اجتماعية تلزم أصحاب المشروعات والمصانع بالاشتراك بتحمل المسؤولية وتعويض الحكومة عن الأضرار كونها السبب الرئيسي في ظهور الملوثات.
من هنا نجد أن وجود محاسبة البيئة والحديث عنها في هذا الوقت، يعني قيام الحكومة بمطالبة الشركات وأصحاب المصانع، بتوفير معلومات خاصة بالتأثيرات البيئية لمصانعهم ومشروعاتهم، وإظهار ذلك في نتائج الأعمال والمركز المالي عند إعداد الحسابات الختامية والتقارير المالية عن فترة زمنية معينة، مع بيان مدى مشاركة هذه الشركات وأصحاب المشروعات في مسؤوليتهم البيئية والاجتماعية نحو المجتمع الذي يعيشون فيه، بالإضافة إلى احتساب تكلفة المحافظة على البيئة وحمايتها، واعتبارها تكلفة إنتاج، تؤدي بالنهاية إلى الاعتراف بالتكاليف الاجتماعية، والتي تعد عنصرا هاما في وظيفة المحاسبة.
ولما كانت عملية الحفاظ على البيئة في المحيط الذي نعيش به مطلب الجميع، لا يحق لأي فرد أو منشاة العبث فيه على حساب الآخرين باعتباره حق عام، ومن يحاول ذلك عليه التعويض. وهنا نؤكد على أهمية قياس تكلفة وعائد المحافظة على البيئة، ونؤكد على ضرورة قيام الشركات عند إعداد البيانات المالية الختامية لها بتحميل الفترة المالية بما لها وما عليها من إيرادات ومصروفات ومنها مصاريف على شكل تبرعات للمؤسسات المجتمعية المعنية بالبيئة، أو من خلال دفع الرسوم المقررة عليها من خلال رخصها التجارية وذات الصلة بالبيئة.
وبالتأكيد يصعب قياس الأضرار البيئية ماليا دون معرفة المعالجة المحاسبية لتكاليف البيئة (أحد أهم مكونات المحاسبة البيئية) بحيث تأخذ بالاعتبار حساب تكاليف الأضرار البيئية وتحميل المتسبب فيها، فالمسؤولية مشتركة بين الحكومة ووزارة الاقتصاد، وجمعية المحاسبيين، لإلزام الشركات والمصانع بضرورة الإفصاح عن سياساتها، وأهدافها، وبرامجها البيئية، وبيان ما هي الأضرار التي قد تلحق بالبيئة، وكيفية معالجتها، وإظهارها بوضوح في تقاريرها المالية، وشرح معايير التدقيق الصادرة عن الاتحاد الدولي للمحاسبين، والتي تتطلب من الشركات الإفصاح في تقاريرها المالية عن تأثيراتها، ومبادراتها البيئية، والإبلاغ عن بيانات الغازات المنبعثة سواء لأغراض الالتزام بالتشريعات والقوانين، أو تطوعا منها لإطلاع الجهات الحكومية والمستثمرين والمستهلكين عليها، بحيث تتمتع هذه الإفصاحات بالمصداقية فيما يخص الانبعاثات الدفيئة من الشركات والمصانع، لتمكين الجهات المختصة في اتخاذ القرارات المبنية على أساس المعلومات الواردة في تقاريرها المالية ولخدمة المصلحة العامة.
يصعب قياس الأضرار البيئية ماليا دون معرفة المعالجة المحاسبية لتكاليف البيئة، وتحميل المتسبب لها، فمن حيث الأضرار البيئية هناك تلوث بيئي غير خطير ويمكن التعايش معه، وهناك التلوث الخطر وله آثار سلبية تؤثر على صحة الإنسان وعلى البيئة (مثل مخلفات المصانع)، وهناك التلوث المدمر للبيئة والإنسان معا (مثل الأسلحة الكيميائية والزلازل والبراكين). وقد يكون التلوث واضحا مثل تراكم النفايات، أو يكون على شكل دخان أسود ينبعث من المصانع، أو يصيب المحاصيل الزراعية، وقد يكون أيضا على شكل إزعاج للبشر والكائنات الحية الأخرى، مثل الضجيج المنبعث من حركة المرور أو الطائرات أو الآلات، كل ذلك يمكن اعتباره شكلاً من أشكال التلوث، ولكل شكل تكلفة مختلفة.
هذا الموضع لفت نظر فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بالمعايير المحاسبية الدولية للإبلاغ، حيث نشر المجمع الدولي العربي للمحاسبين القانونيين ورقة عمل حول المعالجة المحاسبية والإبلاغ المالي لتكاليف البيئة (محاسبة البيئة)، حيث بينت ورقة العمل أن محاسبة البيئة أصبحت ذات صلة بالمؤسسات التجارية والمنظمات غير المحققة للأرباح والمؤسسات الحكومية مثل البلديات ومؤسسات الدولة، وقد باتت قضية تلوث البيئة تشكل مشكلة اقتصادية واجتماعية وسياسية في أنحاء العالم، وأن مسؤولية حماية البيئة وخفض آثار التلوث ومنعها والتخفيف منها مسؤولية مجتمعية يشارك فيها الأفراد والشركات والحكومات.
من المعلوم أن الحسابات الختامية لأي مصنع أو شركة يتم إعدادها وفقا للمعايير المحاسبية، وعلى الإدارة تحميل الفترة المالية بما لها من إيرادات وما عليها من مصاريف، ولما كان الحفاظ على البيئة مكفول بالقوانين ولا يحق لأحد العبث في الحفاظ على البيئة، ومن يحاول ذلك علية دفع التعويض بما يلحقه من ضرر للآخرين، من هنا بدأ الاهتمام لدى الشركات والمصانع ومكاتب تدقيق الحسابات بضرورة وضع التزامات وأخذ احتياطات في القوائم المالية لمواجهة أي التزامات تترتب بسبب الأضرار البيئية والتي قد تدفع على شكل تعويضات لطرف ثالث أو غرامات ومخالفات حكومية. لذلك رأينا في هذا السياق أنه من المفضل الاستعانة بما صدر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) في هذا الشأن، حيث يظهر أن نطاق تطبيق المعايير المحاسبية بحاجة إلى التعرف على محاسبة البيئة والالتزامات البيئية، وعلاقتها بالتكاليف البيئية والتي تشمل تكاليف الإجراءات المتخذة أو المطلوب اتخاذها لإدارة الأضرار البيئية التي تترتب على نشاط مؤسسة ما بطريقة مسؤولة بيئيا، فضلا عن التكاليف الأخرى التي تستدعيها الأهداف والمتطلبات البيئية للمؤسسة، ومن التكاليف البيئية على سبيل المثال لا الحصر (تكاليف التخلص من النفايات وتجنبها والمحافظة على جودة الهواء وتحسينه وتنظيف الزيت المنسكب، وإجراء البحوث في مجال البيئة...الخ).
غالبا ما تشكل الطريقة التي يؤثر بها الأداء البيئي لمؤسسة أو شركة ما على وضعها المالي والطريقة التي يمكن أن تُستخدم بها المعلومات المالية ذات الصلة بهذا الأداء لتقييم المخاطر البيئية وإدارة هذه المخاطر مسائل تشغل المستثمرين وخبرائهم الاستشاريين وكذلك تشغل بال الدائنين، لنضرب مثلا أن تكاليف تأسيس المصنع جميعها مموله من البنوك مقابل رهن الأرض، وقد تطلب من المصنع إصلاح أخطار بيئية تسبب بها، وقد يكون مبلغ الضرر أكبر من قيمة القرض الأصلي والرهن (بمعنى المصنع قصّر في سداد دين لجهة ما (الحكومة أو تعويض أفراد)، وقد عجز عن ذلك.
نريد أن نصل بذلك إلى أن مدقق الحسابات والمستثمر أو المساهمين في المصانع عليهم إعطاء المفاهيم المحاسبية حقها، والاعتراف بأن هناك تكاليف بيئية والتزامات لأطراف دائنين قد تنعكس على عائد الاستثمار لهم بل على رأس المال، وفي هذه الحالة ينبغي الاعتراف بالتكاليف البيئية في فترة التقرير السنوي، لا سيما إذا تم استيفاء معايير الاعتراف بها كأصل من الأصول التي ينبغي رسملتها وإطفاؤها في بيان الدخل على مدى الفترة الحالية والفترات المستقبلية المناسبة، وإلا فإنها تقيد في بيان الدخل، علما بأنه ينبغي أخذ المخصصات اللازمة (مخصصات خصوم بيئية) بعين الاعتبار، وينبغي الاعتراف بعرض المعلومات والبيانات المتعلقة بالآثار المادية البيئية والإفصاح عن ذلك في الملاحظات والإيضاحات من خلال معلومات إضافية تعكس على نحو كامل الآثار البيئية المختلفة التي تنشأ عن أنشطة المؤسسة أو المصنع بوضوح.
وبصورة عامة فإن الأصول البيئية أو التكاليف البيئية والتعامل معها يحتاج إلى المزيد من التوضيحات والتعاملات، نتمنى أن يتم تغطيتها لاحقا ومنها على سبيل المثال: رسملة التكاليف البيئية، والاعتراف بالالتزامات البيئية، وقياس الالتزامات البيئية، والسياسة المحاسبية وطرق ومعلومات الإفصاح.