أخبار
" المحاسبة في عالمنا المعاصر"
13-أيلول-2021
من ذاكرة المجمع
نص المحاضرة التي القاها الدكتور طلال أبوغزاله في جامعة كليرمونت بولاية كاليفورنيا – الولايات المتحدة
من مجلة المحاسب القانوني العربي – العدد 1-11 لعام 1986
فبينما كان هدف التدقيق، الكشف عن التلاعب، والمصادقة على صحة التسجيلات، أصبح الهدف الأول، حالياً، إبداء الرأي حول عدالة إظهار البيانات الحسابية الختامية، والتأكد من كونها مطابقة للقوانين والأنظمة، وتحسين الأداء الإداري لمعرفة ما إذا كانت المؤسسة أو المشروع يدار على نحو اقتصادي فعّال......
يعود تاريخ مهنة المحاسبة إلى أيام السومريين والصينيين والرومان، ومن حقنا كعرب القول بأننا مبتدعو مهنة المحاسبة، مثلما نقول إننا مخترعو العجلة (الدولاب) فالألواح الطينية السومرية كانت أساساً سجلات محاسبية.
ونذكر لمن لم يدرسوا التاريخ بأن أقدم مخطوطة مسمارية استخدمها السومريون القدماء؛ تعود إلى عام 3000 قبل الميلاد، والسومريون هم سكان ما بين النهرين أو العراق حالياً. وقد وجدت تلك المخطوطات المسمارية في نفس المواقع السومرية القديمة. وعند حل رموز تلك اللغة في بداية هذا القرن، علم بأن هذه المستندات تتعلق مباشرة بتاريخ القانون والتعامل المحاسبي الخاص بالعقود، وإقرار الديون والمقبوضات والبضائع والحسابات بالإضافة إلى الإجراءات القضائية والتبادل الدبلوماسي.
أما العجلة والتي كان اكتشافها بداية للحضارة الإنسانية، فكان يجري استخدامها بشكلٍ واسع في سومر القديمة. وأقدم دليل على ذلك العجلة الموجودة في قبور السومريين (العراق أيضاً) ويرجع إلى العام 3500 قبل الميلاد. وقد استخدمت العجلة بشكل واسع في العربات في كل من سوريا ومصر حوالي العام 2000 قبل الميلاد.
من الماضي إلى الحاضر
لقد تغيرت وظيفة التدقيق مع مرور الزمن، فبينما كان هدف التدقيق سابقاً الكشف عن التلاعب، والمصادقة على صحة السجلات، أصبح الهدف الأول حالياً هو إبداء الرأي حول عدالة إظهار البيانات الحسابية الختامية وتحول هدف تدقيق أداء الإدارة من مهمة التأكد من كونه مطابقاً للقوانين والسياسات والأنظمة الموضوعة، إلى تحسين الأداء الإداري لمعرفة ما إذا كانت المؤسسات او المشاريع او البرامج تدار على نحو اقتصادي فعّال.
كانت أعمال التدقيق فيما مضى، تتم بناءً على طلب المالكين الراغبين في التأكد من دقة مسك الدفاتر واحتساب النقد. ولكن مع تطور الشراكات، أصبح التدقيق مفيداً لتحديد نصيب كل شريك من الأرباح. وقد أوجدت الثورة الصناعية مؤسسات عملاقة تحتاج إلى التمويل الخارجي المكمّل لرأسمال المالك، بحيث يمكن شراء المعدات الباهظة التكلفة. وفي هذه المرحلة بالذات؛ برزت أهمية التدقيق المستقل، حيث حل الطرف الثالث؛ محل مالكي المشروع، بوصفه مستفيداً رئيسياً من خدمات التدقيق.
البيضة أم الدجاجة ؟!
وما زال الجدل الأكاديمي قائماً بين المؤرخين حول الأسبق ظهوراً هل هو علم المحاسبة أم الرأسمالية. ويعتقد العديد من المؤرخين، وخاصة الألمان. إن علم المحاسبة أوجد الرأسمالية. والحقيقة أن السؤال عمّا إذا كان الأسبق ظهوراً الدجاجة أم البيضة ليس مهماً طالما أننا نحقق الربح من بيع الإثنين معاً!.
المحاسبة بين التدويل والتوطين...
ولا غرو بأننا نمر حالياً وعلى الصعيد الدولي بمرحلة هامة جداً. فمع تكاثر الشركات المتعددة الجنسيات نلاحظ اتجاهاً نحو تدويل قواعد المحاسبة والتدقيق من خلال هيئات مثل الاتحاد الدولي للمحاسبين International Federation of Accountants ولجنة قواعد المحاسبة الدولية International Accounting Standards Committee ولكن رغم ذلك نجد من الناحية الأخرى اتجاهاً نحو "المحلية" أو " التوطين".
مع التطور الدولي لمهنة المحاسبة من خلال الشركات متعددة الجنسيات وغيرها، نلاحظ نمو الشركات الدولية مثل الثمانية الكبار أو العشرة الكبار أو غيرها، وقد استدعى ذلك؛ تطوير القواعد الدولية للمحاسبة والتدقيق، لغايات رفع التقارير المالية والرقابية. ويلاحظ خلال السنوات القليلة الماضية، الجهد البارز الذي بذله الاتحاد الدولي للمحاسبين IFAC ولجنة القواعد المحاسبية الدولية IASC في سبيل وضع الخطوط الرئيسية للقواعد المحاسبية. ورغم تلك الجهود برزت مشكلتان وهما:-
-
استمرار الانطباع السائد أن مهنة المحاسبة قائمة ضمن نطاق القطاع الخاص. أما مفهوم الأخلاقيات المهنية واستقلالية مدقق الحسابات والإعلانات والخ. فإنها تقوم على أساس المبادئ الإنجلوسكسونية الخاصة بالسلوكيات المهنية، المطبقة في الدول الغربية الصناعية. والحقيقة التي لا جدال فيها أنه في العالم العربي الذي هو جزء من الدول النامية، تلعب المؤسسات الحكومية دوراً رائداً في تحديد شكل الاقتصاد الوطني. كما أن واقع تنوع الثقافات والأديان والمعايير الاجتماعية؛ يشكل أساساً لما يعتبر "مقبولاً" أو "غير مقبول" بالنسبة للدولة النامية. وهذا ينعكس بطبيعة الحال على أصول المحاسبة والتدقيق. لذا فإن الاستناد إلى مفاهيم "الغرب الصناعي" فقط، يؤدي إلى العديد من المعضلات.
-
المشكلة الثانية هي نتيجة طبيعية للأولى ذلك أن موضوع أصول ممارسة التدقيق، يفترض مسبقاً توفر درجة معينة من الوعي الاستثماري الذي لم يلق اهتماماً جاداً من الدول النامية. وقد بدأت بعض دول العالم النامي؛ تعي جيداً أهمية وجود الخطط القومية التربوية التي تفرز الأطباء والممرضات والمهندسين. إلا أن الدولة النامية هذه بما في ذلك العالم العربي تعاني من نقص حاد في المحاسبين.
أول الغيث قطرة....
إلى جانب التوجه نحو تدويل المهنة، هنالك ميل متنام يؤكد أهمية عدم ترك مهنة المحاسبة بأيدي الأجانب. إذ اتجهت السلطات المختصة في العديد من تلك الدول إلى التقليل من الاعتماد على المحاسبين الأجانب والمؤسسات المحاسبية الأجنبية. وسبب ذلك هو أساساً الاعتزاز الوطني والرغبة في الاعتماد على الذات، بالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأن من يحكم الرقابة على المعلومات المحاسبية يكون قيّماً على معلومات حساسة.
لقد أدى تضافر تلك الأمور معاً إلى تولد اتجاه خطير في العالم النامي، ألا وهو أن أيسر سبيل لإيجاد أكبر عدد من المختصين المطلوبين بإلحاح في مجال معين، هو تخفيض المستوى، مما يؤدي بالتالي إلى وجود مؤسسات مهنية بمستويات لا ترقى إلى المستوى المطلوب، وهذا ما حدث أيضاً في العالم العربي.
ورغم وجود عناصر جوهرية أخرى تؤثر على المهنة دولياً، إلا أنني لن أخوض في التفاصيل نظراً لضيق الوقت. إلا أنه يجب ذكر آثار الركود الاقتصادي والتضخم السائدين حالياً والتي أدت إلى تغيير الأبعاد المرتبطة بدور المحاسب القانوني وإلقاء أعباء إضافية ومتزايدة على كاهله.
من التدقيق إلى تحري التحايل....
اهتم المدققون بالأصل في التحقق من صحة سجلات العملاء، وذلك بالاعتماد على الأدلة المتوفرة ضمن نطاق المهنة. ومع تزايد طلب المعلومات المالية الموثوقة من قبل الأطراف التي توفر التسهيلات الائتمانية أو رؤوس الأموال للشركات الساعية للتوسع؛ اتجه المدققون بكل نشاط، لتقديم الخدمات الاستشارية الإدارية. ورغم التأكيد على أهمية وضرورة التدقيق؛ إلا أنه اعتبر من الأعمال المحاسبية المملة وغير الممتعة. ثم ازدادت أهمية دور المدقق في تحري التحايل والتقصير. ورغم ذلك يتزايد التحايل. ففي الولايات المتحدة حيث تتوفر الإحصائيات حول أي موضوع مهما كان نوعه بلغت تقديرات مبالغ التحايل الإدارية 40 بليون دولار في العام 1983. أما خلال الاعوام من 1973 وحتى 1983 فقد بلغ مجموع أكبر 10 عمليات تحايل إدارية عن طريق التلاعب بالحاسبات الآلية 2.75 بليون دولار. والاعتقاد السائد أن ذلك الاتجاه سيتزايد لعدم تحقق الأهداف الاجتماعية المرجوة، وخاصة في ظل الركود الاقتصادي. وسيلجأ البعض وخاصة الأذكياء إلى التحايل.
أعمق من التقليدي؟
أما التطور الآخر الجدير بالاهتمام، فهو أن المدقق ملزم قانوناً في بعض الدول الصناعية بالقيام بما هو أعمق من أعمال التدقيق التقليدية، ونعني بذلك التدقيق في الفعالية والكفاءة الاقتصادية للمنشأة المعنية. وبذلك أصبح دور المدقق هو تحري عدم الفعالية وعدم الكفاءة وانعدام جدوى المشروع بالإضافة إلى تحري التحايل.
لا شك بأن ثورة المعلومات عن طريق التكنولوجيا ستغير من آفاق المهنة وتفتح أبواباً جديدة. ويتبادر حيال ذلك السؤال التالي: هل يمكن للمهنة القيام بالمهمة على الوجه الأكمل؟ والحقيقة أن مدى ذلك التغيير يبلغ حداً لا يمكن معه للمحاسبة العادية ومهارات المراقبة لوحدها؛ أن تفي بالمهام المرتقبة مستقبلاً، اذ تدعو الحاجة إلى اختصاصات نابعة من أنظمة أخرى. وأتوقع بعد عقد من الزمن أن يحل مكتب متعدد الاختصاصات يتضمن المهندسين وخبراء الحاسبات الآلية وذوي المهارات الأخرى، محل مكتب تدقيق الحسابات التقليدي. والمستقبل كفيل بإظهار أثر ذلك على هيكلية المهنة. والحاسب الآلي نعمة إلهية تمكن الدول النامية من مجارات الدول الأكثر نمواً، وعلى الأقل في مجال المحاسبة. وهذا يعيدنا بالتأكيد إلى موضوع أخلاقيات واستقلالية المدقق.
آفات إعلانية!! ؟
لقد أصبحت القضايات الأخلاقية، مثل الإعلانات من قبل المدققين وتقديم الخدمات الاستشارية الإدارية والهندسية وغيرها. غير ذات أهمية في هذا العالم الذي يشتد فيه التنافس بين شركات التدقيق لاجتذاب عملاء جدد والحفاظ على الحاليين. وتكمن دلائل التناقس الحاد في المهنة حالياً، حيث أولي اهتمام أكبر للإعلان والتنمية المهنية وتسويق الخدمات والخ.
أما موضوع الاستقلالية، فإن كافة الدراسات الأكاديمية والمبادئ المهنية تفيد بالاستقلالية كمبدأ محاسبي مهني أساسي. وهو ميل فكري يتميز باتباع أسلوب موضوعي في المجال المهني. إن المدقق نظرياً فوق اللوم، وعليه أن يكون حر التصرف بالنسبة لأي مهمة توكل إليه، وعليه أيضاً أن يتفادى أي تضارب سواءً بين مصالح المساهمين والإدارة أو مصالحه هو.
حلقات مفقودة ؟...
إن هذا بمجمله ممتاز، ولكن واقع الأمر أنه لا يوجد أي اتصال منتظم بين المدقق والمساهمين. لا بل هنالك تباعد فعلي بينهما، إذ أن الإدارة هي بمثابة العميل للمدقق كما أن بعض المحاسبين يعتبرون ممارستهم المهنية طريقاً للمراتب العليا، وبذلك يتعين عليهم ترك انطباع جيد لدى الإدارة بهدف توفير عمل لهم لدى العميل.
ويعد استخدام المعلومات المحاسبية من قبل مجموعات متعددة من المستفيدين كموضوع تساؤل، وذلك على أساس عدم موثوقية المعلومات، بالإضافة إلى أنها غير مفهومة وتأتي متأخرة. وبالإضافة إلى ذلك كله، فإن العقبة في العالم العربي هي غياب مجموعة محددة وموثوقة من الأصول المحاسبية. فنحن على طرفي نقيض، الأول قلة عدد المحاسبين المحليين بينما بعض الشركات العالمية تقدم نوعية فريدة من أعمال التدقيق، وذلك وفقاً للأصول السائدة في الغرب، والثاني: وجود محاسبين لا يرقى مستواهم المهني إلى مستوى يمكنهم من تقديم تلك النوعية الممتازة من الخدمات. ولا تكمن الأسباب الجوهرية في عدم التماسك والتناغم لعدم توفر الكفاة المهنية فقط بل أيضاً، إلى غياب مجموعة محددة من الأصول المحاسبية المتعارف عليها.
سلبيات، ولكن حوافز...
الإفلاسات التي حصلت خلال الأعوام القليلة الماضية، والتي انتشرت في ظل الركود الاقتصادي، وعدم الرضا عن الإيرادات الضريبية، هذه كلها دفعت السلطات المالية المختصة؛ إلى التحرك بشأن تنظيم المهنة. وقد تجاوب المهنيون العرب على نحو إيجابي في وجود الضغط المتعاظم باتجاه التجديد. فبدلاً من الالتزام بمجموعة أنظمة تفرضها البيروقراطية خطت المهنة خطوة إلى الأمام وأظهرت رغبتها بالمساهمة في تطوير أنظمة وأصول أرقى من الحد الأدنى الذي حدده القانون.
وقد خولت دول مجلس التعاون الخليجي (التي تتألف من المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان) لجنة خاصة بتقييم احتمالات استخدام مجموعة من الأصول المحاسبية الشاملة التي وضعها المكتب السعودي العام للتدقيق.
واستجبنا للتحدي...
أما الحدث الأساسي في هذا الاتجاه فهو تأسيس المجمع العربي للمحاسبين القانونيين، وباختصار فإن المجمع العربي للمحاسبين القانونيين هو عبارة عن هيئة تعنى بوضع مجموعة من الأصول المهنية وخطوطها العامة في العالم العربي مع توفير تسهيلات تعليمية وامتحانية وتدريبية ترقى إلى مستوى ما هو سائد في أنحاء العالم.
رغم العقبات ...
لقد بذل المجمع العربي للمحاسبين القانونيين جهداً كبيراً منذ إنشائه في كانون الثاني/ يناير من العام الماضي ورغم ذلك فإننا نتطلع إلى فترة قادمة من العمل النشط والدؤوب.
والحقيقة أننا نبذل كمحاسبين عرباً، جهداً بالغاً لتغيير الانطباع السائد بأننا نقوم بأعمال روتينية لا ضرورة لها.